الرئيسية / الأدب / المجتمع / مسرحية “لا يمر قطار بهذه المحطة ” / محمد كاظم

مسرحية “لا يمر قطار بهذه المحطة ” / محمد كاظم

مسرحية ” لا يمر قطار بهذه المحطة “

 تراثية المنبع ، مابعد حداثوية المنهج

محمد كاظم

photo_2016-04-22_05-05-11 

Torn light blue paper with white copyspace

002

جئت من المحمرة ..تلك العاصمة التي تهاوت عليها مخالب النسيان و الإهمال تترى بعدما دكتها آلة الحرب الهوجاء.. كان مساءً ربيعياً.. و الشمس تتلألأ من بين الغيوم الداكنة المبعثرة .. يممت وجهي الى حدث ثقافي كان ضيوفه نخبة من المثقفين.. كنت متشوقاً لحضور هذا الحدث .. حفزتني الأسماء التي تقف خلفه.. أسماء طالما سمعنا عنها هنا و هناك .. وصلت إلى كوت عبدالله و الى منتداه الثقافي ( المهدية ) ، ترجلت من السيارة ، فبدأت بالجري نحو القاعة .

دخلت القاعة ، كان الظلام الدامس هو سيد الموقف ، لا أسمع صوتاً فيها و لا حسيساً ، فجأة ، أحسست بيدٍ تمتد نحوي ، كيدٍ تمتد الى غريق ، أخذت بيدي و مشت بي بضعة أقدام و تركتها.. علامة الجلوس.
جلست دقيقة واحدة أو أكثر بقليل ، لا أرى شيئا أو أحدا.

فجأة ، أحسست بشيء يتحرك ببطء خلف القاعة ، فأوجست منه خيفة ، و إذا هي الممثلة ” مريم القرشية بنت الكاتب المسرحي السيد كاظم القريشي ، و التي تذوب في دورها ، كالعادة كما تفعل ذلك زميلتها الممثلة ” مائدة جلالي ” – مرتدية زي المرأة الأهوازية ، فأخذت تهرول و تجري في الممر الذي يقع في وسط القاعة نحو الخشبة ، تحاور بكلمات حزينة شخصاً وهميّاً كأنه يمشي خلفها و الحزن بادٍ على ملامحها.. إذ تبدو كظيمة .

يا إلهي ، ما هذه ؟!!

كنت في حيرة من أمرها !!

تخطو بخطوات واثقة و تصعد على خشبة المسرح و إذا بضوء ينهمر على مكان وقوفها ليضيئها لنا .

نعم ، إنها المسرحية إذن .

العنوان :

يشكل العنوان علامة تختزل المسرحية و يشكل أيضا علامة خارجية مما يعكس دلالات تتعانق مع المسرحية لتعطي مضامين داخلية و خارجية تشكل ترابطا یعکس قدرات الكاتب و مضمون المسرحية و الرؤية التي يقصدها .

و العنوان يشهر المسرحية ، فهو يطلع المشاهد على الشفرات المختارة و التي تُرسم متماسكة من بداية المسرحية حتى نهايتها .

القطار : فالقطار علامة لحركة الحياة و تحركها أو جمودها و أيضا علامة السفر و الإغتراب .
المحطة : المحطة علامة للجمود و أيضا علامة للسفر بحثا عن الحلم و أيضا علامة التيه و الضياع ، علامة للحركة و للألم و الحزن بالفراق .

عجوز متعب و ينتظر اللاشيء ، فتحولت المحطة من الحركة إلى الثبات و الحزن و فراق المحبوب و غياب الهدف و الضياع في زحام الحياة .

كل أحداث المسرح تحدث في الظلام ، الأمرالذي اختاره المعدون ، قد يكون سيمياء و يجب تفسيره ضمن منهج السيميائيات ، على أية حال إنها مسرحية و للمسرحية دلالاتها وإشاراتها، ورموزها، و إيحاءاتها .

المنهج السيميائي ، يبحث عن العلامة و الرموز بأنواعها المختلفة ، لأن اللغة هي مجموعة من العلامات كما يقول دي سوسير ، و تبحث السيمياء عن المعنى من خلال البنية اللغوية المختلفة للغة و الرمز و الدلالة ، لذلك يتحول النص إلى مجموعة من العلامات والرموز التي لها حالاتها فتنتقل دراسة النص اجتماعية ولغوية ودلالية كما يقول بنكراد، وتبحث السيمياء عن المعنى من خلال البنية اللغوية المختلفة للغة والدلالة ، فتنتج عن ذلك دراسة لمختلف العلامات سواءً كانت علامة أو شكل أو صورة .
اﻷحداث تجري في الظلام !!!

ما هي دلالاتها ؟

هل تدل على القول المأثور : ” الظلم ظلمات ” ؟
أم تدل على ظلامية العادات و التقاليد ؟ أم تدل على ظلامية الواقع المُعاش ؟
لنأتي إلى أحداث المسرحية ، الظلام يدل على ظلم ” مرزوق ” للعاشقَين في القرية ” نجوى ” و ” إيريح ” ، فكذبه على نجوى و إدّعاءه بأنّ إيريح سقط من النخلة و مات ، فتزوجها و قد حرمها من حبيبها و حرمه … من حبيبته ، فظلمهما و ظلم الحب و الغرام ، و بتعبير آخر ” قتل الحب ” .
بعض السيميائيات و الدلالات في المسرحية بإختصار :

– جفاف اﻷرض و موت البساتين دلالة على اﻷزمة البيئية في اﻷهواز و ما سببتها من معضلات كصعوبة الزراعة و تدني الوضع المعيشي و الإقتصادي و تفكك نسيج المجتمع و مشاكل أخرى شتى .

– ” الحرشة ” يكاد يذكر يفتأ الحرشة ؛
ذكرها و تذكرها و ذكراها و ذكرياتها الجميلة في غابر الزمان ، دلالة على لم الشمل و الحنان و المحبة و تآلف القلوب بين الناس ، في مرحلة تاريخية ذهبية من تاريخ اﻷهواز ، إندثرت و قد أكل الدهر عليها و شرب .

– الهجرة القسرية من القرية التي ولدوا و ترعرعوا و كبروا فيها هي التي تعد بمثابة وطنهم إلى قرية أخرى غريبة و هذا يدل على محنة الغربة و قساوتها و ما تحمله من صعوبات و …

– تغريد الرجال ( الهلهولة ) ، على عكس التقاليد فالرجال غردوا بدل النساء ، و هذا إن دل فيدل على إجتياز حاجز التفريق بين الجنسين و عدم الإحتقار بالتقاليد التي تخص المرأة و الإعتزاز بممارستهن .

– ترحيب أهالي الحي الجديد بالوافدين إليهم و إضفاءهم بمعيشة مفعمة بالحياة و مليئة بأمنيات جديدة .

– إطلاق إسم ” سمرة ” على ” نجوى ” م

ن قبل أهالي الحي الجديد ، و هذا يدل على تجديد الأمل و وهب الحياة من جديد .

و ربما دلالة على تغيير و جعل أسماء لمدن و قرى و أحياء حبيبة على قلوب محبيها و إستبدالها بأسماء غريبة و غير مألوفة .

– إنتصار الشر على الخير بشتى الوسائل و بأفعال متدنية و ﻷهداف خبيثة و لا أخلاقية ، تذهب بنا إلى قول المنظر السياسي و الدبلوماسي الإيطالي نيقولا مكيافيللي : ” الغاية تبرر الوسيلة ” ، و دحضه و إستنكاره ، إذ في النهاية ، ” نجوى ” ، تلوم ” مرزوق ” على أفعاله المشينة الخارجة عن إطار عرف المجتمع و التي يندى لها الجبين و بالتالي تتركه و هذا یذهب بنا إلى قول اﻹمام علي عليه السلام و القائل :

《 ما ظَفَر مَن ظَفَر بالأِثم و الغالِبُ بالشَّر مغلوب 》.

– حنين کل من ” نجوى ” و ” أيريح ” بعد مر عقود من الزمن ، يدل على بقاء الحب الحقيقي في قلب المحبین ما داموا أحياء .

– الوفاء ، حیث ” إيريح ” يبقى وفيا طيلة سنين طويلة ، يدل على الحب الحقيقي في القرية أي في الزمان القديم ، الزمن الجميل .

– لقاء العاشقين بعد مدة طويلة من الزمن بعد ما فرقتهم اﻷحداث و هذه دلالة على التقاء قلبين متحابين في المستقبل رغما عن كل الحواجز و الظروف .

– شخصية ” مرزوق ” ، تعكس حالة من الصراع وعدم التصالح مع الذات .

– إنتهت المسرحية بإطلاق تسمية ” إيريح ” من قبل كل الممثلين و بمد أياديهم و إشارتهم على المشاهدين فردا فردا أي إطلاق ” ما عاشه إيريح و ما جرى له في حياته ” على كل اﻷفراد و هذه دلالة على شمولية ما عاشه و عايشه أفراد المجتمع من ظروف صعبة ، منها وجع الحياة .

– ظاهرة التركيبة الزمنية أي تطبیق اﻷزمنة الثلاثة ( الماضي و الحاضر و المستقبل ) في نص المسرحية ، و هذه الظاهرة هي فذة في المسرحيات التي أقيمت في اﻷهواز حتى اللحظة و تستحق التوقف عندها و التمعن فيها ، مما تدل على رمزية معينة لكل زمان من اﻷزمنة الثلاثة و أيضا ترمز إلى قدسية و عبق الماضي و جمالياته و إلى محنة الحاضر و هواجسه و على أمل المستقبل و أمنياته .
الملفت للنظر في المسرحية و الذي هو ما يعطيها مغزى غزير و محتوى عميق و معنى وجيز و فحوى مفيد يجعلها غنية عن التعريف ، هو كثرة إستخدام اﻷمثال و المفردات الشعبية في اللهجة الأهوازية ، منها المستخدمة حاليا و منها المندثرة .
و في اﻷخير ، ملاحظات لابد منها :

– المسرحية لم تكن تخاطب عامة الجمهور بل مخاطبيها من الخواص و هذه بحد ذاتها مشكلة قد يواجهها الكاتب و المخرج ﻷنهما يلتزم عليهما أن يراجعوا النص و يصيغوه بصيغة سلسة و سهلة حتى يفقهها الجمهور العام .
( الجمهور العام يشمل كل فئات المجتمع و المقصود من الخواص هم دارسوا الفن و ممن تعلمه أو مارسه أو قرأ عنه ) .

– قد يبدوا من المبالغة القول بأن مستوى المسرحية راقي جدا و أتمنى لو كانت تعرض على خشبات المسرح في مدن شتى منها القاهرة المصرية و بيروت اللبنانية و قرطاج التونسية و الرباط المغربية .

حینما تشاهد المسرحية ، فإنك ستجد إن الكاتب إختار الكلمات و الأمثال الشعبية بعناية فائقة و كل لفظ و مفردة و حتى اﻹشارات التي يقوم بها الممثلون لها دلالة عميقة ، فجعل العنوان و المسرحية جسدا و روحا و نفخ فيهما مجموعة من العلامات و الدلالات و الرموز ليشكل آفاقا تأويلية وسعة .
في هذه القراءة تم إختيار مجموعة من العلامات و تم محاولة دراستها وفق منهج السيميائية ، بغرض التأويل ليتعرف المشاهد على المضامين و الشفرات و الرموز و التي لها أبعادا و آفاقا و تأويلات متعددا .

في النهاية أشد على أيدي كل طاقم المسرحية من كتاب و مخرجين و ممثلين و … ، و نتمنى لهم النجاح .

فإن المسرح سيبقى -كما قال شكسبير- وسط العالم.

 

عن مدير الموقع

شاهد أيضاً

حسین فرج الله / ناصــ‌‌شایع‌‌ــر(ابوفهر)

حسین فرج الله ناصــ‌‌شایع‌‌ــر(ابوفهر) ما الفخرُ إلَّا لأهلِ العلمِ إنَّهمُ على الهدى لِمن استهدى أدلَّاءُ …

أضف تعليقاً