الرئيسية / الأدب / نافذة علی الإبداع الشِّعري/ علي دیلمي

نافذة علی الإبداع الشِّعري/ علي دیلمي

نافذة علی الإبداع الشِّعري

علي دیلمي

وُجد الشعر منذ إن وُجد الانسان، ذلك لأنه حاجة للنفس البشریة لتبرز احساسها أو تعبِّر عن شعورها و بما أن المتغیّرات التي تنتج الشعر تزود و تنقص بین بیئة و أخری و زمن و آخر لذلك یقوي و یضعف الشعر عبر التاریخ و مرّ الزمن وعند أناس بالقیاس مع أناس آخرین. علی کل، العرب قوم لشدّما عبروا عن احاسیسهم و شعورهم بلغة الشعر، و قد اجادوا في هذا الفن منذ زمن بعید. کما لایخفي علی القاریء العزیز أن الشّعر و عموماً الأدب اتّصف بادوار مختلفة عند العرب، من حیث الجَودة و الضعف او القوالب والاغراض، من مثل: قبل الاسلام و العهد الاسلامي و العهد العباسي ثم الانحطاط و اخیراًالادب المعاصر، والذي بدأ الأدب فیه یرقی شیئاً فشیئا و یقترب من مواصفات الشعر الراقي في العهد العباسي و ینمو في إتجاهات جدیدة کما هو الحال في العالم الغربي.
علی انّ وتیرة النقد الأدبی کما کانت جنبا الی جنب الأدب في مسیرته، استمرت ایضأ بجدیة أکثر و اکتسبت مواصفات حدیثة فی نقد النصوص، کما هو الحال في الادب الغربي، فلعبت دورها في غربلة الشعر العربي و جعلته ینطبع بمواصفات الشعر الحدیث؛ ذلك بدایة من الرابطة القلمیّة في المهجر الی مدرسة آبولو مع احمد زکي ابوشادي و رفاقه الی مکتب الدیوان مع العقاد و ابراهیم المازني و عبدالرحمن شکري الی مجلة شعر و الذي کان علي احمد سعید(ادونیس) من اعضاءها.
في هذا الجزر و المدّ و السیر نحو الإزدهار لم تکن الاقطار العربیة في حد سواء بل منهم من استیقظوا و انتبهوا للنهضة الادبیة و منهم من لم ینتبه و بقوا تقریباً في اجواءعهد الانحطاط؛ لذلك عندما نقرأ تاریخ الأدب العربي لا نکاد نخرج من دائرة مصر و لبنان و سوریة و العراق ما عدا تونس التي برز فیها الشابّی و ابلي بلاء حسنا في اعماله الشعریة (هذا حسب ما نقرأه فی کتب تاریخ الادب). أما عرب الاهواز مع أن کان لدیهم شعراء لا بأس بهم في العهد المشعشعي و الکعبي بالقیاس مع شعراء العرب في تلك الفترة لکنهم في عهد النهضة الادبیة الحدیثة لم یتحرّکوا مع تیّار التجدید و لم یجرّبوا اشعاراً دخلت في طور الکلاسیکیة ثم الرومانسیة او الرمزیة بل علی عکس ذلك حصلت فترة صمت لدیهم، لاسیما في  الشعر الفصیح (اللهم الا القلیل القلیل مثل المرحوم الشیخ الکرمی). اما الشعر الشعبي عندهم، فقد استمر بشکل و علی مستوی لا بأس به.

في العقود الاربعة الاخیرة لکن، ارتفع عنا شیئا فشیئا الصمت المُخیّم و البلادة المُطبقة و بدأ شبابنا یجرّبون الشعر و یتذوّقونه و یتبارون و یتنافسون في ساحتيّ القریض و الشعبي و یتمکّنون من الاجادة في الإنشاد، کلما تقدم الزمان و مضت الایام؛ ذلک بفضل الوعي الذي یحصل في شتی المجالات و دخول العالم الافتراضي علی الخط. لکن یبقی لدینا سؤال اساسي و هو: هل الشعر الاهوازي  و الأدب عموماً علی الوضع الذي یرام و في ظروف من الازدهار الذي لا نحسد علیها، و اللهم ألا اذا کان الجواب سلبیا ما هي الاسباب؟ لا شك أن الجواب سلبي و اننا اذا ادّعینا الازدهار الشعري والثراء الادبي سنکون قد ارتکبنا خطأ، اضافة الی قصورنا في ایجاد نهضة ادبیة فی أرض الأهواز–مع أننا لا ينقصنا شیئا عن المؤهلات الذاتیة اللازمة للنهضة الأدبیة. اما الأسباب فهي  واضحة الی حدٍّ ما، منها: الأمیّة ثم عدم دراستنا لتاریخ الأدب العربي و التعرّف علی فطاحل الأدب والشعر— بالنسبة للذین لا یُجیدون ترجمة هموم مجتمعهم و آلامه شعریاً هو عدم وقوفهم علی جذور المشاکل و دراستها لیشعروا بعد ذلك بعمق وجدانهم و روحهم الجریحة بهذه المعاناة— و أبعد من ذلك عدم وقوفنا علی وظیفة الشعر و الشاعر، و هذا السبب الاخیر مهم جدّاً. ربما البعض عندنا يتصورون أن الشعر هو عبارة عن مدح او ذم او وصف و ذلك بتکلّف و تعمّل من قبل الشاعر حیث یضغط علی قریحته لیمدح احداً او یذم آخر او یصف شیئاً، بینما الأمر لیس کذلك بل هو تعبیر عن خلجات النفس والوجدان و افرازات اللاوعي في حالة من الذهولیّة. بعد ذلك و بعد إنشاد الشعر لایهتم الشاعر بالآخرین عما یقولون عن شعره، و انا لا أقصد جودة الشعر او عدمها؛ هذا شيء هو من أساسیّات الشعر لکن في الشعر الذي أنشد من قبل الشاعر في حالة من الإنطباع الشدید قد تمّت الوظیفة فیه حتی و لو کان لا تنطبق معاییر شخصٍ ما او فئةٍ ما به، إذا کان فیه جرح للأحاسیس او إهانة مؤلمة، الذي يمكن بالتعدیل و التنقیح إزالته.
یبقی شیء آخر لم نتکلم عنه و هو الأمر الذي کتبنا هذا المقال لنتتبعه و نؤدّي دورَنا–اذا صحّ التعبیر— في خدمة ترقیة الشعر، و هو التطرّق الی طرق الإبداع فیه ثم العمل النقدي في تقییمه، و أنّ في النظر التقییمي الی شعرٍ ما، هل هو یحظی بمواصفات الشعر الجیّد، و الی أي حد تتواجد فیه هذه المواصفات و أنّ المواصفات نفسها ماذا یمکن أن تکون؟ هذا النقد والتقییم سیکون عبر ضرب من الامثلة و الاتیان بنماذج من النوعین الفصیح والشعبي.
الخروج على المعتاد أو الإنزیاح الشعري

فالنبدأ بهذا المبدأ الاأساسي في الابداع الشعریي و هو الخروج على المعتاد. الخروج على المعتاد والذي یُسمّی الیوم بالانزیاح الشعری(آشنازدایی-هنجارشکنی) هو أن الشاعر یُکنّی و لایُصرّح او یعتبر الجماد حیّا او یُضخِّم و یُهوِّل او یاتیي بالمفارقات او المفاجئات و هکذا…لاشك انّه کلما ازدادت و اشتدّت هذه الخروقات، مع رعایة الجمالیّة وایصال الغرض، سوف ترقی بالشعر من حیث البلاغة والجمال و الفخامة.

نموذج من الشّعر الفصیح

لنأتی اولاً بنموذج من الشعر القدیم والقریض ونختاره من الشاعر العظیم المتنبي والذي طالما خرج علی المعتاد و قلب الموازین، و آتی لنا بشعر رائع. یقول في میمیته الشهیرة والتي مطلعها:
وأحرَّ قلباه ممن قلبُه شبِمُ…ومن بجسمي و حالي عندَه سَقَمُ
…….
أنا الذی نظرَ الأعمی إلی أدبي…وأسمَعَت کلماتي من بِهِ صَمَمُ
من الواضح انّه لا الأعمی یستطیع أن یری النص الادبي و ینظر الیه و لا الأصم بإمکانه أن یسمع الحدیث، لکنّ المتنبي شاعر فاراد أن یؤکد ببالغ التأکید علی بلاغة أدبه و روعة شعره فخرج علی ما نتوقّعه و نعتاده فجعل الأعمی ینظر و الأصم یسمع، فما ان اجتاز الشاعر هذه الخطوط حتی سما بشعره روعة و جمالاً. و في بیت آخر من هذه القصیدة:
وجاهلٍ مدّه في جهلِهِ ضَحِکي…حتی اتته یدٌ فرّاسةٌ وفمُ
کلنا نعرف أن المدد یاتی من قبل الخالق او الانسان اما الجهل و هو مفهوم معنوي، فهذا غیر ممکن، المهم أن لا نجعل منه إنساناً و هذا ما فعله الشاعر فجعله انساناً یستطیع أن یساعد و یمدّ. في الفقرة الثانیة لم یکتفِ الشاعر بجعل شیءٍ کالید انساناً بل اعتبرها حیة کالحیوان الوحش الذي یفترس، فصوّر لنا مشهداً مُریعا، فیه ترویع و فیه نهش و فیه کسر للعظام. وبالتالي بهذا الانزیاح تمکّن من الإبداع کما تمکّن من السیطرة علی القلوب و جعلها تنبهر له.

وفي نموذج آخر من الشعر الحدیث نختار فقرات من مقطع«عودة التّنورة المُزرکشة» لنزار قبانی:
یبدأ الشاعر المقطع بمخاطبة الموصوفة و یقول:
ضِیقي مع التیّار واتّسعي…وتفرّقي ماشئتِ و اجتمعي

الی أن یصل الی هذه الفقرة حیث یقول:

وتمسّکی بمحطِّ خاصرةٍ…زِنّارها یبکي بلاوَجَعِ
کیف للزنّار و هو الحزام الذي تشدّه المرأة للزینة(واصله یقال لحزام النصاری) أن یبکي، و لماذا یبکي؟ اجل بدأ الزنّار بالبکاء، لانّ الشاعر اراد ذلك، و لانّه أراد أن یبهر المستمع بهذه الصفة او الفعل الغیر معتاد، ثم لم یکتف بهذا بل عندما أراد أن یصف الخاصرة بالنحول و شدة الهزالة وابراز جمالها، اتي بهذه الکنایة الجمیلة و تعمّدَ الانزیاح. و المقصود من الکنایة أن الزنّار لشدة نحول الخاصرة لم یجدها حتی یمسك بها، فکأنّۀ إستاء إستیاء شدیداً و جهش بالبکاء.

لم نترک هذا المقطع لشدّة الروعة فیه بل لنعبر قلیلاً الی الامام و نذکر منه:
شالَ الهواءُ ببیدرٍ مَرِحٍ…من موطن الموّال مُنتزعِ
ما هذا الشَّعَر حیث یشبه في کثرته و کثافته بیدراً من القمح. هذا الشَّعَر لیس له وجود في عالم الواقع لکن في عالم الشاعر و خیاله، بلی، یوجد؛ لانّ الشاعر بمدد من خیاله أراد أن یخرج علی المعتاد و یفاجیء المستمع بهذا الوصف، لکن یبدو أن صفة المرح لم تُرضِي الشاعر لبیان جمال شَعَر الحبیب لذلك کنّی بهذا القول بانّ شَعَر الحبیب تتواجد فیه جمیع مواصفات الجمال؛ لانه طالما تغنَّی به و وصفه الشُّعراء عن طریق الموّال الذي یُسهَب فیه وصف الجمالیات.

جمالیّات الشعر الشعبي

إنّ نصیب الشعر الشعبي من هذا المبداء و الإ حتواء علی الجمالیات لیس بقلیل؛ فهذا الشاعر کاظم اسماعیل قاطع یبلي بلاء حسنا فی شعبیّته«ما مرتاح». یبدا بتکرار ما مرتاح ثلاث مرات و یتذمّر عن الاصدقاء و یبدي عدم ارتیاحه لسلوکهم، الی أن یصل الی هذه الفقرة:

ما مرتاح لأن شفت الشمس نِزْلَت تبوس الگاع 

کیف یمکن أن تنزل الشمس الی الارض؟ طبعا یمکن ذلك اذا أراد الشاعر أن یفاجیء المستمع او المخاطب؛ فهذه المفاجئة دعونا ان ندخلها فی إطار مبداء الإنزیاح الشعری. کما اننا یجب أن لا نغفل غرض الشاعر من هذا التعبیر المفاجیء حیث أراد من خلاله أن یعجب لهذه الظروف المزریة التي تستهدف عظیماً و تقبض علیه و هو في سماءه ثم تهوي به و تردیه الی الارض او أن الظروف في زمننا هذا اصبحت غیر عادیّة حیث تنزل الشمس فیها الی الارض و تبوسها.

نموذجا آخر من الشعر الشعبی ناتی به من قصیدة«علیا البطلة» للشاعر الاهوازي المبدع عباس الطایي والذي ابدع في هذه القصیدة لجوانب عدة من الإبداع، سیکون لنا حدیث حولها في مقال خاص ان شاء الله أما الآن نذکر منها نموذجاً في الإنزیاح و الابداع الشعري، یقول من خلال مدح «علیا»:
وگفت مثل الدّانة التّرعد والسیف بیمناهه ایعربد

 

لقد وُفِّقَ الشاعر في التهویل و التضخیم عندما شبّه الممدوحة بالدانة اي القنبلة ثم یردف و یکمل المشهد في جعل سیفها یعربد اي یقذف سمّا و ناراً من جوفه کالعربید. هذا هو الشعر الحماسي بعینه، حیث یتمتّع بمعاییر السرد و التهویل الحماسي، و قد اقتطفنا فقرة رائعة منه لنکمل امثلتنا في هذا المقال.

و اخیراً سنستمر بعون من الله طبعاً اذا لقي البحث ترحیباً من قبل القاریء العزیز.

#الحرشة

عن مدير الموقع

شاهد أيضاً

الخیانة / سید کاظم القریشي

🔹🔹 سيد كاظم القريشي  الخیانة (قصة قصيرة جداً)   رفع الموظف في منظمة الشهداء عینيه …